٢٦‏/٠٦‏/٢٠٢٦، ٨:٢٦ ص

أوهام ما بعد الهزيمة؛ تفكيك البيان المناهض لإيران الصادر عن أمريكا ومجلس تعاون الخليج الفارسي

أوهام ما بعد الهزيمة؛ تفكيك البيان المناهض لإيران الصادر عن أمريكا ومجلس تعاون الخليج الفارسي

في الوقت الذي لم يهدأ فيه غبار حرب الأربعين يوماً على إيران، أصدرت أمريكا ودول مجلس التعاون الخليج الفارسي بياناً مشتركاً مناهضاً لإيران في المنامة. حرب كان من المفترض أن تكون عرضاً لقوة التحالف الأمريكي – العربي، لكنها تحولت عملياً إلى ساحة لكشف حدود القوة الأمريكية وضعف شركائها الإقليميين.

وكالة مهر للأنباء: في الوقت الذي لم يهدأ فيه غبار الحرب التي استمرت أربعين يوماً على إيران، أصدرت أمريكا ودول مجلس تعاون الخليج الفارسي بياناً مشتركاً مناهضاً لإيران في المنامة. حرب كان من المفترض أن تكون عرضاً لقوة التحالف الأمريكي – العربي، لكنها تحولت عملياً إلى ساحة لكشف حدود القوة الأمريكية وضعف شركائها الإقليميين. ورغم ذلك، يظهر نص البيان أن بعض الحكومات العربية لم تستفد من الدروس المستفادة من التطورات الأخيرة، ولا تزال عالقة في نفس الإطار الذهني والحسابات التي كانت سائدة قبل الحرب، وكأن حقائق الميدان لم تؤثر على تصوراتهم.

أول ما يلفت الانتباه في هذا البيان هو التأكيد على "الشراكة الاستراتيجية" بين أمريكا ودول مجلس تعاون الخليج الفارسي. هذا المصطلح يتكرر في ظل ظروف كشفت الحرب الأخيرة عن زيف مثل هذا الادعاء. فقد وقفت الدول العربية في الخليج الفارسي، بأشكال مختلفة، إلى جانب أمريكا أثناء العدوان على إيران؛ من استضافة القواعد العسكرية، إلى توفير البنى التحتية اللوجستية والاستخباراتية. لكن ما هي حصيلة هذه المشاركة؟ هل جلبت المزيد من الأمن لهذه الدول؟

الحقيقة أن الحرب الأخيرة أظهرت أن القواعد الأمريكية، بدلاً من أن تكون درعاً أمنياً، تحولت إلى بؤر لنقل انعدام الأمن. فالدول التي كانت تعتقد أن وجود القوات الأمريكية يضمن استقرارها، أدركت فجأة أن هذه القواعد قد تجعلها جزءاً من ساحة القتال. وقد أظهرت الهجمات المضادة والمخاوف الواسعة من توسع الحرب بوضوح أن أي دولة تضع أراضيها تحت تصرف العمليات ضد إيران، لا يمكنها أن تتوقع الحصانة من تبعات ذلك.

والأهم من كل ذلك، أن أمريكا، في أدق اللحظات، لم تظهر لا قوة حقيقية ولا إرادة سياسية للدفاع عن شركائها العرب. فالدول التي أنفقت عشرات المليارات من الدولارات على مدى عقود لشراء الأسلحة الأمريكية، وربطت أمنها بواشنطن، اكتشفت خلال الحرب الأخيرة أن المظلة الأمنية الأمريكية هي، أكثر من كونها حقيقة عملية، شعار سياسي مكلف. هذه هي الحقيقة التي يحاول بيان المنامة إخفاءها.

في الواقع، ما يُسمى اليوم "الشراكة الاستراتيجية" هو، أكثر من كونه تحالفاً أمنياً، نوع من علاقة التبعية، حيث تدفع الدول العربية الثمن، وتستفيد أمريكا. تستخدم واشنطن أراضي هذه الدول ومواردها وموقعها الجغرافي لتحقيق أهدافها، لكن عندما يتعلق الأمر بالتكاليف الأمنية، تتركهم وحدهم. كشفت الحرب الأخيرة هذه الحقيقة بوضوح غير مسبوق.

جزء آخر من البيان خُصص لموضوع الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة ودعم إيران للفصائل المقاومة. وهذا الجزء وحده يظهر مدى ابتعاد القائمين على البيان عن حقائق المنطقة الجديدة. أثبتت الحرب الأخيرة أن القوة الصاروخية الإيرانية ليست فقط الركن الأهم في الردع الإيراني، بل أصبحت أحد أكثر العوامل فعالية في تشكيل ميزان القوى في المنطقة.

ومع ذلك، لا تزال الدول العربية تتحدث من موقع يوحي بأن إيران ستكون مستعدة للتفاوض بشأن أهم مكونات أمنها الوطني. في حين أن تجربة السنوات الماضية أظهرت أن طهران لا تتفاوض بشأن قدراتها الصاروخية، ولا تسمح بأن يصبح هيكل ردعها موضوعاً للمساومة. إن الإصرار على طرح مثل هذه المطالب، بدلاً من أن يكون دليلاً على القوة، هو دليل على العجز عن فهم الحقائق القائمة.

الأمر نفسه ينطبق على محور المقاومة. لا تزال الدول العربية وأمريكا تعتقدان أنه بإصدار بيانات وممارسة الضغوط السياسية، يمكن القضاء على ظاهرة هي نتاج عقود من الاحتلال والعدوان وعدم الاستقرار في المنطقة. فالمقاومة لم تبدأ بقرار من طهران، ولن تنتهي ببيانات المنامة. هذا التيار متجذر في حقائق ميدانية؛ حقائق تفضل العديد من الحكومات العربية تجاهلها.

لهذا السبب، يبدو جزء كبير من البيان أشبه بقائمة من الأمنيات السياسية بدلاً من وثيقة تستند إلى حقائق إقليمية. لا يزال كتابه يتحدثون عن عالم لم يعد له وجود.

موضوع مضيق هرمز هو مثال آخر على هذا الارتباك الاستراتيجي. فقد شددت أمريكا والدول العربية في بيانها على حرية العبور في المضيق، ورفضت أي شكل من أشكال السيطرة عليه. لكن الحرب الأخيرة أظهرت تماماً أنه حتى القوة العسكرية الأمريكية غير قادرة على فرض إرادتها على معادلات هذا الممر المائي الاستراتيجي.

إذا كانت واشنطن، بأساطيلها وقواعدها وأوسع شبكة عسكرية في العالم، غير قادرة على تثبيت المعادلات التي تريدها في مضيق هرمز، فكيف يمكن توقع أن تغير بضعة بنود في بيان سياسي هذه الحقيقة؟ مضيق هرمز هو جزء من المعادلات الجيوسياسية للمنطقة، وإدارته تخضع لميزان القوى الفعلي، وليس للرغبات التي تطرح في الاجتماعات البروتوكولية.

ولكن ربما كان الجزء الأكثر دلالة في البيان هو ما يتعلق بلبنان؛ حيث تم التأكيد مرة أخرى على نزع سلاح المقاومة. وهذا الموقف يُظهر مدى ابتعاد بعض الحكومات العربية عن حقائق المنطقة. في ظل استمرار اعتداءات الكيان الصهيوني على لبنان، فإن المطالبة بنزع سلاح المقاومة تعني عملياً نزع سلاح القوة الردعية الوحيدة في وجه الاعتداءات الإسرائيلية.

بدلاً من اعتبار الاحتلال والتهديدات الإسرائيلية السبب الرئيسي للأزمة، يستهدف واضعو البيان المقاومة. وهذا النهج ليس سوى انحياز لاستراتيجية أمريكا وتأمين المصالح الأمنية لتل أبيب. في الواقع، بعض الحكومات العربية اندمجت إلى حد كبير في حسابات واشنطن وتل أبيب، لدرجة أنها لم تعد مستعدة لرؤية الحقائق الواضحة على الأرض.

في المجمل، صدر بيان المنامة ضد حقائق المنطقة الجديدة أكثر مما هو ضد إيران. ففي الحرب الأخيرة، لم تشاهد الدول العربية ضعفها فحسب، بل رأت عن كثب مدى عجز أمريكا عن تأمين أمنها. ومع ذلك، وبدلاً من مراجعة سياساتها، تعيد تكرار نفس المطالب الفاشلة ونفس الأوهام القديمة.

الحقيقة أن غرب آسيا دخلت مرحلة جديدة؛ مرحلة لم تعد فيها أمريكا قادرة على فرض إرادتها، ولا تستطيع بعض الحكومات العربية، بالاعتماد على الدعم الخارجي، أن تفرض رؤيتها على المنطقة. لذلك، ينبغي النظر إلى البيان الأخير ليس كدليل على الثقة بالنفس، بل كوثيقة على الارتباك الاستراتيجي، والعجز عن فهم التطورات الجديدة، والإصرار على الأخطاء التي دفعوا ثمنها سابقاً. وإذا كان هناك درس واضح من حرب الأربعين يوماً، فهو أن حقائق القوة في المنطقة قد تغيرت؛ لكن يبدو أن بعض العواصم العربية لا تزال غير مستعدة لقبول هذه الحقيقة.

/انتهى/

رمز الخبر 1971840

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha